د. علا المفتي تكتب .. سؤال محرج ..!!

بقلم _ د.علا المفتي :
مع بداية ولوجي إلى عالم الأمومة ،بدأت رحلتي مع المغامرات. فقد كانت ابنتي تفاجئني كل يوم بسؤال جديد ،أندهش له أحيانا ،أو يحمر له وجهي خجلا ،أو أنفجر منه ضاحكة. فمثلا سألتني ذات مرة ،كيف يرانا الله ولا نراه؟ من أين جئت؟ ما معنى الموت؟ وأين نذهب بعد الموت؟ ما الفرق بين الولد والبنت؟ ماذا يحدث في ليلة الدخلة؟ هل تزوجتي بابا عن حب أم زواج صالونات؟ هل كان لك صديقا أو حبيبا وأنت صغيرة؟ ماما أنا عاوزة أحب ..! وكان لزاما علي أن أجيب ،ولا أترك ابنتي حائرة تبحث عن إجابات ،أو حلول خارج نطاقي. فأنا أعلم جيدا -باعتباري متخصصة في تربية الطفل وثقافته -أني مصدرها الآمن للإجابات.
إن رغبة الطفل في المعرفة ،وحب الاستطلاع ،رغبة فطرية طبيعية ،تنم عن نمو قدراته العقلية وذكاؤه وتفكيره. لذا فالفرد في مرحلة الطفولة ،يمكن تشبيهه بعلامة استفهام متحركة. وكلما كان الطفل كثير التساؤل ،كلما دل ذلك ،على اتقاد قدراته العقلية ،وارتفاع مستوى ذكاؤه. ويختلف الأطفال في ظهور بوادر التساؤل ،ونوعية الموضوعات التي يسألون عنها ،إلا أنه هناك أسئلة شائعة بين مجتمع الأطفال غالبا ما تتكرر. وتدور هذه الأسئلة في الغالب ،عن موضوعات وجودية وفلسفية وجنسية. فالطفل يتأمل كل ما حوله ،بنظرة فاحصة ناقدة. والخطأ كل الخطأ ،أن يهرب الوالدان من الرد على تلك الأسئلة ،أو أن يحاولا صرف انتباه طفلهما عنها ،أو توبيخه ونهره ،أو عقابه ،أو اخباره أن هذه الموضعات سيعرفها عندما يكبر ،اعتقادا منهما أنها مناطق محظورة ،ولا يصح الحديث عنها مع الطفل حتى لا يفسد أو ينحرف. ويغفلون أن عدم الرد بإجابات علمية مقنعة تناسب سن الطفل ،قد يؤدي به إلى الانحراف فعل.ا كما أنه يحبط لديه الرغبة في المعرفة ،ويعرقل نمو ذكاؤه. فالمعرفة قوة ،ولا حياء في الدين ،كما أنه لا حياء في العلم.
إن لم نجب على أطفالنا ،فإننا ندفعهم إلى طرق أبوابا غير آمنة ،ليجدوا خلفها الإجابات عن تلك الأسئلة التي تؤرقهم. فقد يلجأ بعض الأطفال ، إلى سؤال أقرانهم أو أحد الكبار داخل او خارج نطاق الأسرة ممن هم ليسوا أهلا للثقة أو ضعيفي الثقافة ،أو البحث في شبكة الأنترنت ،التي تعج بالمواقع والمعلومات المشوشة غير العلمية والمغلوطة. مما قد يشوه ثقافة الطفل ،ويؤثر على طبيعة تفكيره وقيمه ،وصحته الجسدية ،والنفسية ،وحياته الأسرية فيما بعد. فكم من انحرافات سلوكيه ،تعرض لها الأطفال ،كالتحرش والشذوذ والاغتصاب وغيرها ،بسبب غياب المعرفة.
وعندما يواجهنا أطفالنا بأسئلة من هذا النوع المحرج ،فعلينا ضبط انفعالاتنا أولا قبل إصدار أي ردة فعل. والتفكير برهة قبل الإجابة ،ثم تقديم الإجابة على شكل حوار ،نبدأه بسؤال للطفل: لماذا سألتني هذا السؤال؟ ثم نقول تعالى نفكر معا في الإجابة ،أو دعني ابحث عن الإجابة ثم أخبرك. فبهذه الطريقة يعطي الوالد او الوالدة لنفسه فرصة ،للتفكير وتنظيم إجابته ،ويعفي نفسه من الإحراج أو إعطاء ابنه ،إجابة خاطئة أو متسرعة. فليس عيبا أبدا أن نقول لأطفالنا ،أننا لا نعلم أو لا نعرف ،لكننا سنبحث ،ونعثر على الإجابات معا. ويجب على الآباء ،إن وعدوا بالبحث عن إجابات أن يفوا بوعودهم.
والآن كيف نجيب على الأسئلة المحرجة؟؟!
لتكن إجاباتنا علمية ،مبسطة مدعمة بأمثلة ،لتقريب الفكرة لذهن الطفل. فإن سألنا الطفل مثلا ،كيف يرانا الله ولا نراه؟ فلنجبه قائلين: هل رأيت المذيع في التليفزيون؟ هل هذا المذيع يرانا؟ نحن فقط نراه لكنه لا يرانا. وإن الله ليس بشرا مثلنا ،وله قدرات أعظم منا ،لذا فهو يرانا ونحن لا نراه , واذا سألنا الطفل من أين جئت أنا؟ فلنقل له: أرأيت الشجرة؟ هل تعرف كيف نمت؟ إن الفلاح يضع البذرة في الأرض ،ويسقيها كل يوم ،فتنمو وتخرج من الارض نبته صغيرة. ثم تكبر شيئا فشيئا ،إلى أن تصبح شجرة كبيرة. أنت مثل الشجرة ،بابا يمتلك بذرتك ،وبطن ماما هي الأرض ،التي تنمو بداخلها ،وتتغذى منها ،إلى أن تكتمل أجزاؤك ،من رأس وجسد ويدين ورجلين. فتولد وتصبح طفلا جميلا.
وهكذا يمكننا تقديم اجابات علمية ،مبسطة لا تخدش حياء الطفل ،أو تشوه مخيلته وتفكيره ،أو تصدمه. وإن الاستجابة لأسئلة الأطفال ،تخلق الثقة بين الطفل وأبويه ،وتمنحه مصدرا أمنا للمعرفة وتخلق جوا من الألفة ،والصداقة يغلف علاقة الطفل بأبيه وأمه ،فلا يخجل أو يخشى ،مواجهتم بأي مشكلة أو مأزق قد يتعرض له. إننا نحمي أطفالنا من شر أنفسهم ،ومن شر الآخرين ،حينما نمنحهم العلم. فالجهل آفة كل الآفات المجتمعية ،والنفسية والصحية ،والقيمية. فهل يستوي الذين يعملون والذين لا يعلمون؟؟!!

كاتبة المقال :
مدرس أدب وثقافة الطفل بجامعة عين شمس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*