أخبار عاجلة

“فن المقامة” كتاب جديد لـ “الأستاذ الدكتور علي خليفة”

المقامة لغة تعني مكان القيام، ثم أصبح اللفظ يطلق على ما يقوله الشخص خلال قيامه في مجلس من المجالس، وارتبطت بعد ذلك بمواقف الوعظ، وبهذا المعنى وردت في كتاب “البيان والتبيين” للجاحظ وكتاب “عيون الأخبار” لابن قتيبة، ثم أصبحت اللفظة تطلق على الجنس الأدبي الذي ابتكره بديع الزمان.
وقد رأى بعض الباحثين أن بديع الزمان ليس مبتكر فن المقامة، ولكنه احتذى فيه بعض من سبقوه في ابتكارها، فهناك من الباحثين من يرون أن ابن فارس شيخ الهمذاني هو مبتكر فن المقامات، وممن يقول هذا القول الدكتور هادي حسن حمودي في كتابه “المقامات من ابن فارس إلى بديع الزمان الهمذاني”، في حين هناك فريق آخر من الباحثين ينسبون نشأة المقامات لابن دريد استنادًا إلى ما ذكره الحصري القيرواني في كتاب “جمع الجواهر في الملح والنوادر” وكتاب “زهر الآداب وثمر الألباب” من أن الهمذاني حاكى أربعين حديثًا لابن دريد، فكتب على غرار الأربعين حديثًا أربعمائة مقامة، وتحمس الدكتور زكي مبارك لهذا الرأي في كتابه “النثر الفني في القرن الرابع”، وجزم بأن ابن دريد هو مبتكر المقامات، وراح يبحث عن هذه الأحاديث الأربعين لابن دريد في كتاب “الأمالي” للقالي.
والحقيقة أننا لم يصلنا أي نص أدبي لابن دريد، أو لابن فارس فيه الشكل الفني للمقامة، كما نراه في مقامات البديع، وما أبعد الهوة بين الأخبار التي رآها الدكتور زكي مبارك لابن دريد ألهمت البديع مقاماته، وبين الشكل الفني للمقامة كما نراها في مقامات البديع.
ومع هذا فلا ننفي أن يكون البديع قد أفاد من أخبار ابن فارس وابن دريد، ومن تطور النادرة على يد الجاحظ خاصة نوادر الشطار واللصوص وأصحاب الكدية الذين جعل الهمذاني منهم بطل مقاماته أبا الفتح الإسكندري، وأيضًا نرى أن البديع في رسمه لشخصية المكدي بطل مقاماته قد تأثر بسيرة الشاعر المكدي المعاصر له أبي دُلَفٍ الخزرجي، وقد استشهد البديع في إحدى مقاماته ببيتين له من الشعر جاءا على لسان أبي الفتح الإسكندري، وهما:
ويحك هذا الزمان زور
فلا يغرنك الغرور

لا تلتزم حالة ولكن

در بالليالي كما تدور

وبعد فلا يوجد أي دليل يوثق به يؤكد أن هناك من سبق بديع الزمان في ابتكار المقامات.
ولم يصلنا من مقامات بديع الزمان غير اثنتين وخمسين مقامة، بالرغم من ذكر الحصري أنه ألف أربعمائة مقامة، وقول الهمذاني في رسائله أنه ألف هذا العدد من المقامات.
وأظن أن للهمذاني مقامات أخرى تمثل المراحل الأولى في استكشافه هذا الجنس الأدبي، ولكنه لم يثبتها في مجموع مقاماته، واختار منها ما كان في الشكل الفني الذي توصل له.
والمقامات كما ابتكرها بديع الزمان قصص قصيرة لها راوية هو عيسى بن هشام، وبطل هو أبو الفتح الإسكندري، ويشترك الراوية مع البطل في أحداث أكثر المقامات، وأحيانًا ينفرد الراوية ببطولة بعض المقامات، كما نرى في المقامة “البغداذية”.
وتدور أكثر المقامات في إطار الكدية والتسول والاحتيال؛ ولذلك كان بطلها متكديًا متسولاً ومحتالاً في أكثر الأحيان.
ويغلب على المقامات الروح المرح، وتتضافر فيها عناصر الفكاهة
لا سيما المفارقة التي تتبدى في أكثرها، وأهم مفارقة في هذه المقامات أن نرى بطلها متكديًا متسولاً محتالاً، ومع ذلك هو شاعر، وأديب كبير، ولكنه اضطر للتكدية حين رأى أهل عصره لا يقدرون أدبه، ومن عناصر الفكاهة بها أيضًا التنكر، وفي كثير من المقامات يتنكر أبو الفتح،
ولا يعرف الراوية عيسى حقيقته إلا مع نهاية المقامة، وأحيانًا يتنكر في هيئة قراد، وأحيانًا يتنكر في هيئة مجنون، وغير ذلك.
وأيضًا من عناصر الفكاهة فيها التكرار، كتكرار ألفاظ بعينها تثير الفكاهة حين ترد في سياق معين، كما نرى في المقامة “الوصية”
أبا الفتح ينصح ابنه، ومع نهاية كل مقطع من نصحه يقول له: أفهمتها يا ابن الخبيثة. وكذلك من عناصر الفكاهة فيها الحوار المضحك، كما نراه في المقامة “الحلوانية” بين عيسى وحلاقه، وبين عيسى والعمال في الحمام، وكذلك من عناصر الفكاهة فيها الحط من المقام، كما نرى في المقامة “المارستانية” التي يهان فيها أحد المعتزلة بعد أن يفحم من قبل مجنون، أو مدعٍ للجنون في المارستان هو أبو الفتح الإسكندري. وهناك الصور المضحكة، والمواقف الفكاهية المرسومة بدقة، كما نرى في المقامة البغداذية. وكان الهمذاني يمزج بين عناصر الفكاهة، ويضفرها في مقاماته؛ ولذلك نرى جرعة الفكاهة فيها عالية، وقل أن نرى مقامة تخلو من الفكاهة في مقامات البديع.
وأهم ما تتصف به المقامة كما ابتكرها البديع إلى جانب ما سبق ذكره وجود السجع فيها، وسجع البديع في مقاماته نراه في جمل قصيرة، وغالبًا ما ينتظم السجع جملتين أو ثلاثًا، ثم يستخدم قافية أخرى لجمل قليلة أخرى يسجع بينها، وهكذا الأمر في سجعه في مقاماته.
وأغلب سجع البديع في مقاماته يأتي بلا تكلف، وهو مشبع بألوان أخرى من البديع خاصة الجناس والمقابلة، ويمتزج بأسلوبه التصوير بألوان الخيال المختلفة حتى ليبدو أسلوبه شاعريًّا بهذا.
والحوار يشكل جانبًا مهمًّا في المقامة، وبه يرسم المشهد، وتظهر فيه قدرات البطل الإسكندري في الجدل والنقد الأدبي على وجه الخصوص، كما نرى في المقامة “القريضية”، والمقامة “الجاحظية”. وفي هذا الحوار أيضًا تظهر فنون احتيال أبي الفتح.
أما السرد فيأتي أكثره في مطلع كل مقامة للتعرف على أجواء الحدث بها والشخصيات المشاركة فيها، ويبدأ السرد فيها بالفعل حدثني على لسان الراوية عيسى بن هشام، فنشعر بهذا أن المقامة خرجت من جراب الرواية، خاصة رواية النوادر، والأمر الآخر أن هذا الفعل يشعرنا بالتهيؤ للأحداث التي سترد في المقامة.
والمقامات التي تعتمد على تنكر أبي الفتح فيها، واكتشاف عيسى تنكره في آخرها فيها تكرار لأحداثها، والقيمة الفنية فيها ضعيفة، وغالبًا ما تتكون من مشهد حدثي واحد يبدأ التمهيد له بالسرد، ثم يأتي المشهد بالحوار، وتختم المقامة بكشف عيسي لحقيقة الإسكندري، الذي يبرر له تنكره بأن تقلب الزمان هو الذي اضطره للتنكر والتسول والاحتيال.
أما المقامات التي فيها أكثر من مشهد، ولا تقوم على التنكر من قبل أبي الفتح فنرى فيها أجواء قصصية مثيرة، وفكاهة عالية، كما نرى في المقامة “الحلوانية”، والمقامة “المضيرية”، والمقامة “البغداذية”.
ومن أهم خصائص المقامة كما ابتكرها البديع أنه يمتزج الشعر فيها بالنثر، ويأتي الشعر جزءًا من الدراما فيها، وليس حشوًا معترضًا بها.
وغالبًا ما تنتهي المقامة بأبيات شعرية على لسان أبي الفتح الإسكندري يبين فيها أسباب تنكره، واحتياله بفساد الناس في الزمان الذي يعيشه.
ومن خصائص المقامة أيضًا كما ابتكرها بديع الزمان أنها احتوت في داخلها أجناسًا أدبية أخرى، فنرى فيها النادرة والرسالة والوصية والشعر.
وعنصر الزمن في المقامة لا تحديد له في الغالب سوى أن نرى المقامة تبدأ بالفعل الماضي حدثني الذي يدل على الماضي غير المحدد، ونرى أيضًا استخدام بعض الأفعال الأخرى التي لا نرى فيها إشارات زمنية محددة تحديدًا قاطعًا. في حين كان المكان حاضرًا بقوة في مقامات الهمذاني بذكر المدينة التي تجري فيها أحداث كل مقامة، وقد سميت أكثر المقامات بأسماء هذه المدن التي يتقابل فيها – أو يصل لها – عيسى وأبو الفتح، وتدور أكثر المقامات في أماكن مفتوحة كأمام الخيام، وفي الطرق، والأسواق، وقليل من المقامات نراها في أماكن مغلقة كداخل بعض الخيام.
ولا غرابة وبطل المقامات جوال في الآفاق أن نراه يتجول في كثير
من البلاد، وتشكل الرحلة عنصرًا مهمًّا في حياته، وفي تكوين المقامة، وما دام هو في ارتحال مستمر فلا عجب أن نراه يُرَى في الأماكن المفتوحة ويمل -أو يفر -من الأماكن المغلقة.
ويمكن أن نربط بين رحلة بطل المقامة الهمذانية ورحلة الشاعر الجاهلي، فكلاهما الرحلة عنصر مهم في حياته، وفي الإبداع الذي يعبر به عن نفسه وعن مجتمعه.
ولكون المقامة تدور أحداثها – في الغالب – في أماكن مفتوحة فلهذا لا نستغرب أن نرى حضور المرأة ضعيفًا فيها، فلم يكن يسمح لها في تلك العصور بمغادرة البيت إلا لضرورة، ومع ذلك نرى بعض النساء كان لهن حضور في بعض المقامات، كالمرأة الغانية في المقامة “الخمرية”، والمرأة المشاكسة لزوجها – أو لطليقها – في المقامة “الشامية”.
وأهم صفات بطل مقامات بديع الزمان – أعني أبا الفتح
الإسكندري – أنه متسول محتال فصيح شاعر أديب، وهو مع كل هذا يجيد التمثيل، والتنكر، ومغرم بالترحال، ولا يقارن بطل مقامات الحريري أبو زيد السروجي في احتياله بالمحتال الكبير أبي الفتح الإسكندري، فأبو زيد احتياله ضعيف.
وقلما نرى بديع الزمان في مقاماته يعتني بكشف الأبعاد النفسية لبطلي مقاماته الرئيسيين، فهما شخصيتان نمطيتان لهما ملامح ثابتة في معظم المقامات، ومع ذلك فهناك مقامات قليلة كشف لنا الهمذاني فيها جوانب من نفسية بطليه أو أحدهما أو غيرهما من شخصيات المقامات كالمقامة “المضيرية” التي صور فيها الهمذاني شخصية تاجر انتهازي مَنَّى أبا الفتح بأكل مضيرة، وخلال الطريق لبيته يصدعه بالحديث عن مواقفه الانتهازية التي أخذ فيها من بعض الناس ممتلكاتهم. ويبالغ في الوصف ويطيل في الحديث حتى بدا أبو الفتح الفصيح في المقامات الأخرى عاجزًا عن الكلام هنا؛ لأن هذا التاجر لا يدع له فرصة للكلام.
وبدلاً من أن نرى أبا الفتح محتالاً – كما نراه في المقامات
الأخرى – إذا بنا هنا نراه محتالاً عليه، فقد أطال التاجر الانتهازي حديثه عن كل شيء اقتناه بانتهازية في بيته، ويتحدث عنه بإعجاب. أما المضيرة التي وعده بأكلها فلم ينل منها أبو الفتح غير كثرة حديث التاجر عنها، وهنا طفح الكيل بأبي الفتح، فقد قال في نفسه: سيواصل حديثه عن مكونات المضيرة وسيطول جوعي؛ ولهذا جرى أبو الفتح من قصر هذا التاجر، وجرى التاجر وراءه، وقال له: يا أبا الفتح المضيرة، فظن الصبيان أن اسمه مضيرة، فأخذوا ينادونه بهذا الاسم، فاغتاظ منهم، ورمى حجرًا نحو صبي، وأخطأه، وأصاب رجلاً، فأمسك به الناس، وحوكم، وسجن؛ ولهذا أصبحت المضيرة يسبب ذكرها أو حضورها عقدة لأبي الفتح؛ ولهذا تنحى عنها غاضبًا حين قدمت له ولأصحابه في مفتتح هذه المقامة، ثم أخذ يحكي لهم قصته مع التاجر الانتهازي، والمضيرة، وسجنه.
والغريب أن أبا الفتح مع كثرة تجواله في البلاد فلا نراه في أي مقامة يحن لمسقط رأسه وهو الإسكندرية – وهي مدينة موجودة في مشرق العالم الإسلامي غير الإسكندرية المدينة المشهورة –.
وليس أبو الفتح وعيسى وحدهما هما اللذان يمارسان الاحتيال في مقامات البديع، فهناك محتالون آخرون، كما نرى في المقامة “الأسدية”، وفي المقامة “الرصافية” عرض لنا الهمذاني عددًا كبيرًا من المحتالين ومن المتسولين، وتتشابه بابة “عجيب وغريب” لابن دانيال الكحال في كثرة من تعرضهم من محتالين ومتسولين مع هذه المقامة.
وفي بعض المقامات الهمذانية نرى سبابًا وتهاجيا، وكان هذا يعرف بالمناكاة في عرف بني ساسان، كما نرى في المقامة “الدينارية” التي أظن أن فريدريش دورينمات قد تأثر بها في مسرحية “هبط الملاك في بابل”.
ويروى أن بديع الزمان كان يملي مقاماته على شخص
– أو أشخاص –؛ ولهذا كثر التكرار في أحداث بعض مقاماته. ومع هذا فأنا أظن أن بعض مقامات البديع من الصعب أن يكون قالها ارتجالاً وأملاها؛ للحبكة الجيدة التي بها، وللصنعة المحكمة فيها، كالمقامة “المضيرية”، والمقامة “الحلوانية”. وأغلب الظن أن البديع ألف هاتين المقامتين وأمثالهما في تؤدة، ثم حفظهما بذاكرته القوية، وأملاهما بعد ذلك.
وبعض النقاد يرون أن المقامة تشبه – إلى حد ما – القصة القصيرة، وقليل من النقاد يغالون فيرون القصة القصيرة في عصرنا تطورت عند كتاب القصة العرب من المقامة، وهناك نقاد آخرون يرون المقامة أقرب لفن المسرح. وفي رأيي أن المقامة قيها بعض تشابه مع القصة القصيرة في وجود الحدث والأشخاص والبيئة المكانية والزمانية بها. ولكن القصة القصيرة فن أخذناه من الغرب في العصر الحديث بالكيفية التي يكتبها بها أساطين القصة القصيرة في الغرب مثل موباسان وتشيكوف وإدجار ألان بو وغيرهم، وما زال كتاب القصة القصيرة في العالم العربي يتأثرون بكل تطور عالمي يطرأ على فن القصة القصيرة، وهذا لا يمنع أن يكون لبعض قصاصنا الكبار اتجاهات، وملامح في القصة تخصهم، ويتأثر بهم فيها غيرهم من كتاب القصة.
أما من يرون أن المقامة أقرب لفن المسرح فتعليلهم في هذا أن المقامة كان يقوم بإلقائها شخص واحد، ويلون صوته مع اختلاف الشخصيات بها، وبهذا تكون قريبة من فن المونودراما، ومن النقاد الذين رأوا المقامة قريبة من فن المسرح الدكتور علي الراعي، والدكتور عبد الحميد يونس، والدكتور حسن عباس. ومن المستحب أن ننظر للمقامة على أنها جنس أدبي مستقل بنفسه – كما قال هذا الدكتور محمد غنيمي هلال –
ولا مانع بعد هذا أن ننظر لمواطن التلاقي بينها وبين أجناس أدبية أخرى، كالقصة القصيرة والمسرحية.
وبعد فالمقامة كما ذكر الدكتور عبد الملك مرتاض أرقى الأجناس النثرية التي ابتكرها أجدادنا العرب، وهي تقف في محاذاة القصيدة.
وقال الدكتور شوقي ضيف في أكثر من كتاب له: إن هدف بديع الزمان الوحيد من تأليفه مقاماته تعليمي بملأ مقاماته بالألفاظ الغريبة والمعارف خاصة الأدبية، ولما يحفظ طلاب العلم هذه المقامات يكونون قد حفظوا ما فيها من الألفاظ الغريبة والمعارف التي تذكر فيها.
وأنا لا أنفي أن يكون من ضمن أهداف بديع الزمان في مقاماته تعليم الصبية والناشئة بعض الألفاظ والمعارف التي ترد في هذه المقامات، ولكن هذا أحد أهداف البديع من مقاماته، أو بالأصح من بعض مقاماته، فالهدف التعليمي يبدو غير موجود في بعض المقامات، كالمقامات التي يمدح فيها خلف بن أحمد، والمقامات التي يغلب عليها الطابع الفني، ويختفي منها أي مظهر من مظاهر الرغبة في التعليم، كالمقامة الإبليسية، والمقامة الحلوانية، والمقامة البغداذية.
وأرى أن هدف بديع الزمان الأكبر من إنشائه مقاماته هو ابتكاره لهذا الجنس الأدبي، بما فيه من مظاهر فنية تخلب الأذهان، وتمتع الآذان؛ ولهذا وفر لها – أو لبعضها – عناصر تجذب القراء لها كالقص المشوق، والفكاهة العذبة المتنوعة المصادر.
وكذلك لعله كان من أهداف بديع الزمان في إنشائه مقاماته أن يكشف بعض جوانب من عصره: اجتماعية، وسياسية، ويصور كيف انحدر حال الأديب في عصره لهيئة متسول؛ لعدم تقدير أهل عصره لمواهبه،
وأيضًا من أهدافه فيها إظهار جوانب من ثقافته الواسعة بما يعرضه فيها من نقاش لقضايا أدبية، ونقدية، وغيرها.
وكان من أهم من كتب المقامة بعد بديع الزمان الحريري الذي اعترف في مقدمة مقاماته الخمسين أن بديع الزمان هو مبتكر فن المقامة، وأنه يسير على هداه. وقد جعل الحريري – كما فعل الهمذاني في
مقاماته – راوية للمقامات وبطلاً. والراوية هو الحارث بن همام، والبطل هو أبو زيد السروجي، وجعل الحريري بطل مقاماته من أهل الكدية، كما فعل الهمذاني.
وتمتاز مقامات الحريري عن مقامات الهمذاني بأنها يجمعها خط قصصي واحد، فهناك ربط بين المقامات، ولها بداية ونهاية، ولهذا فهي أقرب للرواية، في حين لا يوجد ربط بين مقامات الهمذاني، فكل مقامة وحدة منفصلة عن غيرها، ولا يربطها بغيرها غير وجود الراوية والبطل بها.
ومع ذلك فمقامات البديع أقرب للفن والإمتاع من مقامات الحريري الذي استهواه الصناعة اللغوية، وجلب المحسنات، والألغاز على حساب فنية القص، في حين مزج البديع في مقاماته بين الصناعة اللغوية وفنية القصة، بل كان يميل كثيرًا للجمال الفني على حساب الزخرفة اللفظية؛ ولهذا كنا نراه في بعض مقاطع من مقاماته يستخدم الأسلوب المرسل،
ولا يتكلف في ألفاظه.
ونرى بعض الكتاب والعلماء كتبوا مقامات، واهتموا بإبراز بعض المعارف، والمناظرات فيها كمقامات الزمخشري، ومقامات السيوطي.
وفي العصر الحديث كتب بيرم التونسي مقامات عن المجاورين، ومزج في مقاماته هذه بين الفصحى والعامية، وإن كانت الفصحى غالبة عليها، ومزج أيضًا فيها بين الشعر والنثر.
ونرى في هذه المقامات قصصًا أرقى مما كان يكتبه البديع والحريري، وفيها فكاهة نابعة من السخرية، وإن كنت أختلف معه في كونه أكثر من السخرية من المجاورين، كالحانوتي والتربي، فليسوا كلهم كما وصفهم في أشكال كاريكاتورية، بل فيهم نماذج كثيرة مقدرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*